عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
230
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
ولم تكن مثل هذه الموائد لتنصب في بيوت الأغنياء وعليّة القوم فقط بل نجدها في بيوت الطبقة المتوسطة من أهل ذاك العصر على خوان فلان وفلان . ويصف الجاحظ هذا الخوان فيقول : « وكنت أنا وأبو إسحاق ، إبراهيم بن سيار النظام وقطرب النحوي ، وأبو الفتح ، مؤدب منصور بن زياد على خوان فلان بن فلان ، والخوان من جزعة ، والغضار صيني ملمع أو خلنجية كيماكيّة « 1 » ، والألوان طيبة شهية ، وغذية قدية ، وكل رغيف في بياض الفضة كأنه البدر ، وكأنه مرآة مجلوة « 2 » » . ويصف الشاعر أبو القاسم الواساني « 3 » مائدته وقد ضمت ألوانا عديدة من الأطعمة في وليمة أولمها في قرية حمرايا من أعمال دمشق ، والوصف وان كان فيه كثير من المبالغة الا أنه يعطينا فكرة عن ألوان الأطعمة التي كان الناس يأكلونها في ذلك الحين . يقول الشاعر واصفا ما أكله القوم على هذه المائدة : أكلوا لي من الجرادق ألفي * ن ببن تشتاقه العارضان « 4 » أكلوا لي أضعافها غير مسطو * ر ومالوا إلى سميد الفران أكلوا لي من الجداء ثلاثي * ن قريصا بالخلّ والزعفران أكلوا لي تبالة تبلّت عق * لي بعشر من الدجاج السمان أكلوا لي مضيرة ضاعفت ضر * ي بروس الجداء والعصبان
--> ( 1 ) خلنجية كيماكية : هي آنية الطعام ، يعني أنها مصنوعة من الخلنج « وهو شجر تتخذ من خشبه الأواني » ، كما يقول صاحب اللسان ، وقد جاء ذلك في شعر عبيد اللّه بن قيس الرقيات في قصيدته الجيمية التي يمدح بها مصعب بن الزبير إذ يقول : ملك يطعم الطعام ويسقي لبن اليخت في عساس الخلنج ( 1 ) « انظر الأغاني 17 - 167 ط - سنة 1323 ه » . ومن هذا الخشب تنحت الموائد والقباب والمشارب ، وهو الخشب « المتنوع الألوان » وهذا أصل معناها . وكيماكية : نسبة إلى « كيماك » وهي كما يقول ياقوت « ولاية واسعة في حدود الصين وصلها الترك » ، ( انظر معجم البلدان : ج 7 - ص 317 ) . ( 2 ) البخلاء : ص 61 . ( 3 ) هو أعجوبة الزمان ونادرته وفريد عصره وباقته وهو أحد الفضلاء المجيدين والهجّاء وكان في زمانه كابن الرومي في أوانه . ( 4 ) الجرادق : ج الجردق والجردقة الرغيف ( فارسية ) ، البن : السحابة دامت أياما .